مقدمة
ولَّدت البيداغوجيا الحديثة مجموعةً مِن المفاهيم الإجرائية بِهدَفِ تنشيط الفصل الدِّراسيِّ وتحسين أداء الفِعل التَّدريسيِّ، ويُعتبر التقويم التكويني من المفاهيم الجوهرية في البيداغوجيا الحديثة، خاصة في ظل المقاربة بالكفايات المعتمدة بالمغرب، وقد عرف هذا النوع من التقويم اهتماما متزايدا من لدُن الباحثين التربويين، بعد أن أثبت أهميَّته في تحسين تعلُّم المتعلمين ومواكبة تطوُّر كفاياتهم بشكلٍ مستمر.
ولذلك؛ نُسلِّط الضَّوء في هذه المقالة من سلسلة مصطلحات ومفاهيم تربوية علىٰ مفهوم التقويم التكويني، وأهمِّيَّته البيداغوجيَّة، ومبادئه الأساسيَّة، وأساليب تفعيله في الممارسة الصفيَّة.
ما هو التقويم التكويني؟
يُعرَّف التقويم التكويني بـ:
أنَّه عملية منهجية تتم أثناء سيرورة التعلم، وتهدف إلىٰ تتبُّع تقدُّم المتعلمين، وتشخيص صعوباتهم، وتعديل التعلمات حسب الحاجات.
ويختلف عن التقويم الإجمالي أو الإشهادي الذي يُجرى في نهاية الوحدة أو الدورة، بحيث يركز التقويم التكويني على تحسين الأداء التعلُّمي أثناء التعلُّم وليس بعده.
أهمية التقويم التكويني
يكتسي التقويم التكويني أهميَّة بالغة في مبادئ التدريس الحديثة، خصوصا في المقاربة بالكفايات التي تتمحورُ أساسًا حول تنمية القدرة علىٰ تعبئة المعارف والمهارات في وضعيات معقدة. ومن هنا؛ يبرز دور التقويم التكويني في هذه المُقاربة إذ يُساعد علىٰ:
- مواكبة تطور الكفايات وليس فقط حفظ المعارف.
- تشخيص الفجوات التعلمية بشكل فوري لتفادي تراكم الصعوبات.
- تكييف الخطط التعليمية بحسب مستوى المتعلمين وحاجاتهم.
- تحفيز المتعلمين على التقدم الذاتي من خلال التغذية الراجعة البنّاءة.
- دعم التحول من “التقويم من أجل العلامات أو التصنيف” إلى “التقويم من أجل التعلم”.
خصائص ومبادئ التقويم التكويني
يعتمد التقويم التكويني على مجموعة من المبادئ التربوية التي تميّزه عن غيره من أنواع التقويم:
1. الاستمرارية: إذ يُجرى بشكل متواصل خلال الأنشطة التعليمية، ولا يرتبط بلحظة واحدة.
2. الوظيفة التشخيصية والعلاجية (التعديل): يروم تحديد مواطن القوة والضعف لدى المتعلم، وتقديم الدعم الملائم.
3. مشاركة المتعلم: يُشجع على إشراك المتعلم في تقويم أدائه (التقويم الذاتي أو التكويم بالأقران).
4. التغذية الراجعة الهادفة: يركز على تقديم ملاحظات نوعية تُوجه المتعلم نحو تحسين تعلمه، بدل الاكتفاء بعلامة عددية.
5. المرونة: يُدمج بمرونة داخل الحصة الدراسية دون الحاجة لتخصيص وقت مستقل، ما يجعله أكثر اندماجًا في العملية التعليمية.
أساليب وأدوات التقويم التكويني
تتعدد أساليب وأدوات التقويم التكويني، ويُفضل اختيارها حسب طبيعة المادة، والهدف التعلمي، وسياق الفصل. نذكر من أهمها:
- الأسئلة الصفية التفاعلية: تُستخدم لقياس الفهم الفوري، وتحفيز التفكير النقدي.
- الملاحظات المنظمة: يقوم المدرس برصد سلوكيات المتعلمين وأدائهم أثناء الإنجاز.
- جداول التحقق: تُستخدم لتتبع تحقق المعايير أو الكفايات المطلوبة.
- بطاقات الملاحظة: توثق الملاحظات النوعية حول أداء كل متعلم.
- شبكات التقويم: أداة نوعية لقياس مدى تحقق عناصر الكفاية أو معايير الإنجاز.
- دفاتر التعلم / الإنتاجات الفردية: توفر مؤشرا على مدى تطور التعلمات بطريقة تراكمية.
- التقويم الذاتي وتقويم الأقران: يُنمّيان حس المسؤولية ويُعززان الوعي بمستوى التعلم.
مقترحات لتفعيل التقويم التكويني في الممارسة الصفية
يقتضي تفعيل التقويم التكويني اعتماد خطوات بيداغوجية دقيقة:
- تحديد أهداف واضحة للتعلم والتقويم.
- تخطيط وضعيات تعلمية تتضمن لحظات تقويمية مدمجة.
- تفعيل أدوات تقويم متنوعة خلال الإنجاز.
- تقديم تغذية راجعة بنّاءة مباشرة بعد التقويم.
- تكييف الدعم التربوي وفق نتائج التقويم.
- إشراك المتعلمين في تقويم أدائهم وفهم الأخطاء.
- توظيف نتائج التقويم لتعديل الخطط التعليمية مستقبلاً.
خاتمة:
إن التقويم التكويني ليس مجرد تقنية إضافية، بل هو عنصر محوري في البيداغوجيا المعتمدة على الكفايات. دوره لا يقتصر على قياس التعلم، بل يتجاوزه إلى توجيهه وتعديله وتجويده. ولذلك، فإن المدرس الفعّال هو من يدمج هذا النوع من التقويم -أي التقويم التكويني- ضمن ممارسته الصفية، ويجعل منه أداة لبناء تعلم عميق ومستديم لدى المتعلمين.
