مقدمة
في عالمٍ يزداد تعقيدًا، تبرز الحاجة الماسة إلىٰ إعادة قراءة مصادرنا المعرفية الكبرى بأدوات منهجية جديدة. وفي هذا السياق الأكاديمي الرفيع الذي احتضنه المعهد العالي للحضارة الإسلامية بجامعة الزيتونة، وناديه الفكري “نادي ابن عاشور” بإشراف الدكتور إلياس قويسم، وهذا المقال ملخص مركّز ومرافق لمحاضرة افتتاحية هامة ألقيت تحت عنوان: “نحو تجديد معرفي ومنهجي في التفسير التربوي للقران الكريم: من البيان الخطابي الى البيان المنهجي”. ألقاها الدكتور عبد الجليل البكوري رئيس مركز رُبىٰ للدراسات والأبحاث والتدريب التربوي.
لم تهدف المحاضرة إلى تقديم إجابات نهائية، بل إلى فتح أفق التفكير والنقاش حول مشروع علمي طموح. وكما تشير كلمة “نحو” الواردة في العنوان، فإن الهدف هو الشروع في الطريق ومحاولة تصويب البوصلة في الاتجاه الصحيح، لأجل بناء علم التفسير التربوي، والانتقال بهذا النوع من التفسير من التأثير الوجداني اللَّحظي إلى بناء معرفي راسخ وقابل للقياس.

تشخيص واقع التفسير التربوي: أزمة “البيان الخطابي”
بدأ المحاضر بتشخيصٍ دقيق لـ “المرحلة الراهنة التي يمر بها التفسير التربوي”، واصفًا إيَّاها بغلبةِ “البيان الخطابي“، وهذا المصطلح لا يهدف إلى التقليل من الجهود المبذولة، بل إلى توصيف مرحلة تحتاج إلى التطوير والنضج للانتقال إلى مستوى أعلى. وتتلخص سمات هذا البيان السائد في النقاط التالية:
- الطابع السائد: يغلب عليه الطابع الوعظي والانفعالي والتقريري في التعامل مع النص القرآني.
- النتيجة: أصبح التفسير التربوي يعاني من التكرار والركود في طرح المضامين والأفكار.
- تحقيق الأثر: يصعب قياس أثره العملي على الفرد والمجتمع والمؤسسات، لأنه ذو طابع انفعالي ووجداني عام لا يمكن ترجمته إلى مؤشرات عملية قابلة للملاحظة والقياس.
هذا الواقع هو ما دفع المحاضر إلى طرح مشروع تجديدي، يسعى للانتقال بالتفسير التربوي إلى مرحلة جديدة.
مقومات مقترحة لتجديد التفسير التربوي: الانتقال إلى “البيان المنهجي” المنضبط
في مقابل “البيان الخطابي”، تطرح المحاضرة مفهومًا بديلًا هو “البيان المنهجي“ يهدف هذا البيان إلى تحويل التفسير التربوي من خطاب تأثيري لحظي إلى منهج علمي منظم قادر على إنتاج معرفة تربوية قرآنية أصيلة. ويقوم البيان المنهجي على بناء نسق معرفي منضبط، يعتمد على التحليل، والمقارنة، والاستنباط المنهجي للمضامين التربوية، ومن ثم التقويم العملي لأثرها على أرض الواقع.
ويقوم هذا الانتقال الطموح على ركيزتين أساسيتين:
التجديد المعرفي: ويقصد به مراجعة الإطار المفهومي والنظري الذي تأسس عليه التفسير التربوي، ومساءلة منطلقاته المعرفية وعلاقته بالعلوم التربوية الحديثة.
التجديد المنهجي: ويعني مراجعة وتقييم المسالك المنهجية المتبعة في استخراج المضامين التربوية من النص القرآني، ومن ثم إعادة بنائها لتصبح أكثر قدرة وكفاءة.
أبرز الإشكالات المعرفية والمنهجية التي يعاني منها التفسير التربوي
لتحقيق هذا الانتقال، لا بد من مواجهة الإشكالات الكبرى التي تعيق تطوير التفسير التربوي. فالغموض الذي يكتنف هوية هذا الحقل المعرفي يُفقده القدرة علىٰ التطور؛ فبينما استطاعت حقول كعلم الاجتماع وعلم النفس أن تتفاعل مع التربية لتولِّد فروعًا جديدة كـ”علم الاجتماع التربوي” و”علم النفس التربوي”، لا يزال التفسير التربوي حبيس التردد، مما يفوّت فرصة التحول إلى “علم مستقل بذاته“ قادر على إعطاء نفس جديد لبناء نظرية تربوية إسلامية متكاملة.
كما أن معظم الجهود الحالية تخلط بين “التربية كعملية” يمارسها الجميع، و“التربية كميدان علمي” له أصوله وأدواته الأكاديمية الصارمة، مما أبقى الكثير من الإنتاج في مستوى الممارسة العامة وأدى إلى “ضعف منهجي كبير”. ويلخص الجدول التالي أبرز هذه الإشكالات:
| الإشكالات المعرفية | الإشكالات المنهجية |
| 1. غياب موقف واضح من الإرث التفسيري: عدم تحديد حدود وضوابط التعامل مع التراث التفسيري العام والتربوي منه على وجه الخصوص. | 1. غموض الهوية: هل التفسير التربوي علم مستقل بذاته، أم مجرد منهج، أم هو اتجاه ضمن اتجاهات التفسير الأخرى؟ |
| 2. الخلط بين مستويات التربية: عدم التمييز الواضح بين التربية كممارسة عامة، والتربية كميدان علمي له أدواته الأكاديمية المنضبطة. | 2. غياب معالم منهجية واضحة: عدم وجود منهجية علمية متفق عليها، مما يفتح الباب للتأملات والاجتهادات الفردية غير المؤطرة. |
| 3. عدم وضوح الموقف من العلوم التربوية الحديثة: غياب رؤية واضحة حول كيفية الاستفادة من هذه العلوم ومدى إلمام المشتغلين بها. | 3. عدم وجود حدود فاصلة: غياب حدود واضحة تفصل التفسير التربوي عن أنواع التفسير الأخرى (اللغوي، الفقهي، الاجتماعي…) وكيفية استفادته منها. |
مقومات التجديد: خريطة طريق نحو علم التفسير التربوي
لمواجهة هذه الإشكالات، يقترح المحاضر ستة مقومات أساسية لبناء المشروع التجديدي، يمكن اعتبارها خريطة طريق واضحة:
- بناء إطار إبستيمولوجي: الهدف هو ضبط الهوية العلمية للتفسير التربوي وتمييزه عن الوعظ والتفسير الموضوعي.
- تأسيس خريطة مفاهيمية للقيم: الهدف هو بناء شبكة محكمة ومتكاملة للقيم التربوية في القرآن الكريم.
- إجراء دراسات مقارنة تاريخية: الهدف هو تتبع كيفية حمل مدارس التفسير للوظائف التربوية عبر العصور، وتأصيل المشروع ومنع القطيعة مع التراث.
- تطوير مؤشرات للتقييم وقياس الأثر: الهدف هو بناء أدوات علمية دقيقة لقياس تغير الاتجاهات والعادات العقلية والمهارات القيمية في الواقع.
- بناء نموذج منهجي للتفسير: الهدف هو وضع معايير للانتقال من الانفعال الوجداني إلى الفهم العقلي، ومن تجزئة الآيات إلى التركيب الكلي لبناء المفاهيم، ومن الموقف الدعوي إلى البناء العلمي.
- استخراج إمكانات النهوض الحضاري: الهدف هو ربط التفسير التربوي بخدمة الوعي الحضاري وإصلاح الفرد والمجتمع.
خاتمة: مشروع عملي للمستقبل ودعوة للمشاركة
لم تكن المحاضرة مجرد تنظير، بل اختتمت بالإعلان عن مشروع عملي طموح سيتبناه مركز ربى للدراسات والأبحاث والتدريب التربوي. يمتد المشروع على مدى 15 عامًا ويهدف إلى تحقيق “البيان المنهجي” عبر ثلاث مراحل متكاملة ذات منطق علمي دقيق:
- المرحلة الأولى (5 سنوات): تفسير القرآن الكريم كاملاً حسب ترتيب النزول، بهدف “تبين المعالم المنهجية التربوية التي حفظها ترتيب نزول القرآن الكريم”.
- المرحلة الثانية (5 سنوات): موازنة هذا التفسير مع السيرة النبوية، بهدف دراسة “كيف فعّلت السيرة النبوية القرآن الكريم، وكيف تفاعل القرآن الكريم مع السيرة النبوية”.
- المرحلة الثالثة (5 سنوات): إدراج السنة النبوية بشكل منهجي في هذا الإطار المتكامل الذي تشكّل من تفاعل الوحي مع سياق التنزيل.
الغاية النهائية هي الوصول إلى ما سماه المحاضر “المحجة البيضاء في المجال التربوي“، وهو نموذج معرفي ومنهجي متكامل ومستمد من مصادره الأصيلة.
إن هذه المحاضرة تفتح بابًا واسعًا وتضع حجر الأساس لمشروع علمي رائد. لذا، ندعوكم لمشاهدة المحاضرة كاملة في قناة المركز، للتعمق في تفاصيل هذا الطرح، والمساهمة بآرائكم وأفكاركم في هذا الحوار الفكري المهم الذي يمس مستقبل فهمنا وتطبيقنا للقرآن الكريم.
قراءة المقالة وتحميلها:
للمشاهدة:
نحو تجديدٍ معرفي ومنهجي في التفسير التربوي للقرآن الكريم: من البيان الخطابي إلى البيان المنهجي
